ابن عربي

63

شجون المسجون وفنون المفتون

تحقيق : اعلم أنّ المتأمّل لهذا الحديث من المؤمنين به لا يرضى أبدا أن يكون أدنى ، وهو يقدر أن يكون أكرم ، وتحقّيق ذلك « 1 » أنّ ما هو هناك مبنيّ على ما هو هنا ، فمن كان من المؤمنين هاهنا نظره إلى جنانه وأزواجه ونعيمه ، وغير ذلك ، فهو هناك كذلك ، ومن كان قلبه مع الله تعالى ، وهو دائم النّظر إليه ، معتمدا رضاه فيما فرض عليه ، فهو أيضا هنالك على [ 19 / آ ] مثل ذلك ، فاختر لنفسك ما شئت ، فستردّ إلى ما رضيت ، أو تهوي إلى ما هويت . نظم : [ دو بيت ] يا ممتحنا بكلّ ما بين يديه * والأمر من الآمر قد ردّ إليه « 2 » مهما كسبت يداه في عالمه * هذا فهناك يرجع الكسب عليه فصل : اعلم أنّ إنسانا نام عن ورده ، فرأى في منامه كأنّ ولده سقط من علوّ ، فانزعج واستيقظ مبادرا إلى الحمد والصّلاة شكرا لكون ما أصابه إنّما كان في المنام ، فضرب له مثال اليقظة بما رآه في الأحلام ، وتحقّق أنّ مصائب الدّنيا في الأهل والولد والمال ، وفي سائر الأحوال ، إنّما هي جواذب ودواع أنعم الله بها على الغافلين ليجيبوا الدّاعي ، وليس الأمر بالحقيقة في يقظته ، إلّا كما رآه في نومته ، وكذلك حال من نبّه من غفلته ، في نومه أو يقظته ، بنعمته أو نقمته « 3 » ، كلّ ذلك الشّيء داعية إلى الله ، وجواذب إليه عمّا سواه ، وهذا ممّا يجب أن يشاهد في كلّ آن ، فهو أنفع ما ولج في سمع إنسان ، ولقد تكرّرت به أمثال كثيرة في القرآن .

--> ( 1 ) في الأصل : « وتحقق أن ذلك » . ( 2 ) في م : « ردّ عليه » . ( 3 ) في م : « بنعمة أو نقمة » .